Friday, July 29, 2016

كنعان وإسرائيل والفلستيّين

كنعان وإسرائيل والفلستيّين 
صفحة من كتابي الدولة المخصيّة _ تحت الطبع 

رغم شيوع مصطلح "الساميّين" الذي سكّه العالم النمساوي شلوتسر عام 1781م مستعيراً الإسم من الإسطورة التوراتيّة التي قسّمت البشريّة في سفر التكوين إلى ثلاثة أقسام جاءت جميعها من صلب أبناء نوح الثلاثة, سام وحام ويافث, إلّا ان المعني بهذا المصطلح حقيقةً هو العرب. إذ أن جميع الشعوب الساميّة التي استوطنت بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين تشكّلت من هجراتٍ متتاليةٍ من قبائل شبه الجزيرة العربية, وهو ما يراه عددٌ من المستشرقين بينهم المؤرّخ لويس سبرنجر. ومن الشعوب العربيّة التي استوطنت فلسطين في فتراتٍ متعاقبة, إضافة إلى الكنعانيّين والإسرائيليّين كان هناك العماليق الذين تمدّدوا من مصر عبر سيناء حتى وصلوها, والمعينيّون الذين أقاموا مملكتهم في اليمن (1300-630 ق.م) وامتدت عبر شمال الحجاز لتصل إلى جنوب فلسطين. وكذلك الميديانيون وقبائل قيدار وجثم والأنباط الذين أقاموا دولتهم في القرن الخامس ق.م على التخوم الشرقيّة لنهر الأردن وكانت عاصمتها البتراء, وكذلك الفلستيّون, وإن كان الأخيرون مختلفاً عليهم.
يكاد أغلب الباحثين يجمعون على أن الفلستيّين هم من شعوب البحر المقاتلة التي قطنت جزر بحر إيجة وخصوصاً جزيرة كريت قادمةً من اليونان وأواسط أوروبا. احتلت هذه القبائل سواحل سوريا أواخر القرن الثامن عشر ق.م وانطلقت منها لتهاجم مصر في عهد رعمسيس الثاني لكن الأخير تمكّن من صدّهم في معركة بحرية عام  1191 فانكفأوا إلى ساحل جنوب فلسطين حيث أسسوا مدناً خمسة هي غزة وعسقلان وجت وعقرون وأسدود. ولقد ذابت هذه القبائل تدريجيّاً في القبائل الكنعانيّة التي غزتها فتبنّت آلهتها ولغتها ثم اصبحت جزءاً لا يتجزّء منها.
على أنّ باحثين آخرين يرجعون أصل الفلستيّين, ومعهم الإسرائيليّين إلى منطقة عسير شمال غرب شبه الجزيرة العربيّة. ويؤكّد جورج صليبي في كتابه "التوارة جاءت من جزيرة العرب" على أن الفلستيّين هم قبائل سكنت ساحل عسير وكانوا يتكلمون نفس لغة العبرانيين كما تشير أسمائهم , ابيمالك واحزّات بمعنى الآخذ , وتشير لهم التوراة بطريقة خاص على أنهم الغلف اي غير المختونين . وكان لهم إلههم الخاص داجون (من دجن أي حنطة أو طحَن) وهنا تلاحظ ظاهرة قلب حرفي الحاء والخاء تماما مثل ظاهرة التبادل المعتادة بين حرفي الشين والسين أو العين والغين أو الصاد والظاء. ولا يزال يوجد إلى الآن قرية تدعى الفلسة (ويقابلها بالعبرية فلشة) تقع في حوض وادي بيشة في عسير إلى الشمال من قرية القرارة. ويفسّر صليبي تحريف الإسم بقوله "لو أطلق الإسم العبري على سكانها (قرية الفلسة) لسمّوا فلشتيم وهو جمع النسبة بالعبرية". ويضيف بأن الفلستيّين قد أطلقوا على مدنهم أسماء هي في الأصل أسماءٌ لأماكن في غرب شبه الجزيرة التي جاؤوا منها مثل غزّة وعسقلان. ويرى أيضاً ان الأسماء الساميّة لآلهتهم مثل داجون , الذي يعني الحنطة بالعبريّة مردّها إلى كونهم ساميّين عرب وليس إلى اعتناقهم الديانة الكنعانيّة لاحقا. لكن مسألة إشارة التوراة إلى الفلستيّين بكونهم الغلف التي أوردها صليبي تنقض نظريته دون أن ينتبه إلى ذلك, إذ أن الختان هو تقليدٌ تتّبعه كافة  القبائل العربيّة ولا يختصّ باليهود فقط كما تذكر التوراة. وقد يكون هذا التقليد قد انتقل إلى شبه الجزيرة قادماً من أفريقيا وبالتحديد من القرن الإفريقي عبر البحر الأحمر. أو لربما يكون العكس هو الصحيح أي أن الهجرات العربيّة إلى مصر وشمال إفريقية هي التي حملت نفس التقليد من الجزيرة العربية إلى الأراضي المصريّة وإن كان لا يوجد ما يرجّح أيّاً من هذين الأمرين أو ينفيهما
إثر موجة الهجرة الكنعانيّة/الأموريّة استوطن الأموريّون في جنوب وشرق بلاد الشام فيما حلّ الكنعانيّون في ساحلها وجنوبها الغربي أي ما يعرف اليوم باسم فلسطين. وقد ارتحل لاحقاً جزءٌ من أموريّي الداخل الشامي نحو العراق وشكّلوا فيها السلالة البابليّة وكان ذلك حوالي القرن التاسع عشر ق.م. ورغم أن الصدام الحربي الأول بين الإسرائيليّين والكنعانيّين (ومعهم الفلستيّين) قد حدث أواخر القرن الثاني عشر أو أوائل القرن الحادي عشر ق.م إلّا أن بعض الباحثين يرجعون تاريخ استيطان بني إسرائيل السلميّ لأرض كنعان إلى أواخر القرن التاسع عشر ق.م وينسبونهم إلى العرب الأموريّين, مما يرجّح عندي الميل إلى فرضيّة ان الإسرائيليّين ما هم إلّا قبيلة كنعانيّة أساساً, اضطرتها ظروف القحط في أرض كنعان إلى الهجرة نحو مصر, إذ ان الكنعانيّين هم هم أنفسهم الأمّوريون وكذلك الفينيقيون وقد اكتسبوا اسماءهم المختلفة إما من مناطق سكناهم أو من تسمياتٍ أطلقت عليهم من قبل مختلف الحضارات المجاورة لهم. وإذا صحّت قصة الإستعباد التوراتيّة فإن أربعة قرونٍ كانت كافيةً لجعل قبيلة بني إسرائيل في مصر تتخّذ لنفسها هويّةً خاصّة بها وتنفصل عن جذورها التي طواها النسيان, خصوصاً ان الإختلاط أو على الأقل التماس الثقافي والإجتماعي مع المصريّين لا بدّ قد عدّل جوهريّاً في عادات وتقاليد وحتى ديانة هذه القبيلة المهاجرة ثم المستعبَدة ثم الهاربة إلى أرض الميعاد.  
بعد "استضافة" المصريّين للإسرائيليّين مدة أربعة قرون, ثمّ خروج موسى بهم نحو صحراء سيناء ووفاته هناك وتعيين يشوع بن نون على رأس تلك القبائل الإسرائيليّة, شنّ الآخير حملةً عسكريّةً شرسة ضد الكنعانيّين كان النصر فيها حليفاً للإسرائيليّين. رغم هزيمة الكنعانيّين العسكريّة إلّا انهم احتفظوا ببعض مدنهم خارج سيطرة القادمين الجدد ولم تتمّ السيطرة التامّة على أرض كنعان. وكذلك بقي الفلسطينيّون (الفلستيّيون) الذين استوطنوا غزّة وعسقلان جنوب فلسطين ووصل امتدادهم إلى تخوم مناطق الكنعانيّين في الكرمل, بعد قدومهم من كريت حسب بعض الباحثين أو من منطقة عسير في شبه الجزيرة العربية حسب آخرين, شوكة في خاصرة القبائل الإسرائيليّة التي باتت تسيطر على غالبية الأراضي الفلسطينيّة. هذا الخطر المحدق الذي شكّلته القبائل الفلسطينيّة دفعت نظيراتها الإسرائيليّة إلى التوحّد فأقامت جميعها مملكةً إسرائيليّة واحدة وجعلت على عرشها شاوول بن قيس نحو عام 1020 ق.م (يطلق عليه اسم طالوت عند العرب المسلمين) وكانت تلك هي المرّة الأولى التي امتلكت فيها القبائل الإسرائيليّة كياناً سياسيّاً خاصّاً بها.


Wednesday, April 13, 2016

شعارات الزمن الجميل

طالما تشدّق اليسار العربي على مدى عقودٍ بشعارات مناهضة "الرجعيّة العربيّة" المتحالفة مع الإمبرياليّة الأمريكيّة.
راهناً, فضّت أمريكا تحالفها مع "الرجعيّة العربيّة" التي هي دول الخليج العربي واستبدلته بالتقارب مع إيران.
اليسار العربي إياه, الذي اضطّره رحيل الإتحاد السوفياتي الصديق والجماهيرية العظمى المرضعة وبعثيّ العراق والشام الظهيرين إلى الرضاعة من خامنئي حصراً, وجد نفسه في نفس الخندق مع الإمبريالية الأمريكية ولكنه لا يزال أميناً لشعاراته الخشبيّة ومنها مناهضة الرجعيّة العربيّة إنما هذه المرّة "غير" المتحالفة مع الإمبريالية الأمريكية .

Monday, April 11, 2016

جهاد البناء .. حصاد الدماء


لئن كانت دول الحداثة تعتمد الشفافية المالية فإن شفافية دول الموز هي خلاف اللصوص على اقتسام الغنائم. فإضافةً إلى تحويل ملف محمد دحلان إلى القضاء الفلسطيني بتهمة الفساد قامت لجنة مكافحة الفساد ( الفاسدة بدورها ) والتي شكّلها عباس لمقارعة خصومه, ايضاً بتحويل محمد أرشيد الكردي الذي كان ياسر عرفات قد ائتمنه على إستثمار ملياري دولار إلى القضاء بنفس التهمة. مما جعل رشيد هذا يكشف عن أن حجم ثروة محمود عباس يبلغ 100 مليون دولارا إضافةً إلى 27 مليون دولار هي أثمان عقارات يملكها عباس في الأردن وتونس موضحاً ان عباس يتلاعب بالمال العام ويتلقّى الرشاوى كما أنه كان يجمع الملايين من المؤسسات الفلسطينية عند كلّ انتخابات إسرائيلية بحجة دعم لقوائم العربية ولا من رقيبٍ أو حسيب . ولعلّ هذه ال 100 مليون دولار هي أخفّ اوزار ملك اللصوص هذا فعلي بابا له عدا الأربعين حرامي ولدان فاقاه في اللصوصية ولإن كان الله قد ابتلى سوريا برامي مخلوف القائم على غسيل أموال آل الأسد والمعروف بالمستر خمسة بالميّة وهي النسبة التي كان يقتطعها من أيّ مشروع يقام في سوريا, وهو ايضاً صاحب الأيادي البيضاء حيث أعلن في مؤتمر صحفي عقده بُعيد اندلاع الثورة السورية بأنه سيتخلّى عن كامل ثروته البالغة 5 مليارات دولار حسب التقديرات الأميركية , لصالح الأعمال الخيريّة, ثم كان العمل الخيري الوحيد الذي قام به هو تأسيس جمعية البستان والتي تعمل على دفع رواتب الشبّيحة الذين يقاتلون الشعب السوري ويحمون مصالح صاحب الأيادي البيضاء ومصالح ابن عمته وشريكه بشار الأسد, فإن الله قد ابتلى الفلسطينيين بإثنين من نوع رامي مخلوف هما السيدان ياسر وطارق محمود عباس .
نشرت مجلّة الفورن بوليصي التي تعنى بالشؤون السياسية العالمية بتاريخ 5 حزيران 2012 تحقيقاً كتبه الصحفي جوناثان شانزر بتاريخ 5 حزيران 2012 ( ولأهمية المعلومات وندرة المصادر ذات المصداقية سيكون إقتباسي طويلا ) يتعلّق بالفساد داخل السلطة الفلسيطينية . ان ياسر محمود عباس والذي يحمل الجنسية الكندية ودرس الهندسة في جامعة ولاية واشنطن في الولايات المتحدة الأميركية, تخرّج عام 1983 وعمل بعدها لدى شركة إنشاءات خليجية لأكثر من عشر سنوات إلى أن عاد عام 1997 إلى رام الله وأنشأ شركاته الخاصة . وتابعت المجلة تقول نقلاً عن تورنتو ستار إحدى أكثر الصحف الكندية إنتشاراً: أنّ ياسر الآن يمتلك شركة فالكون توباكو التي تحتكر بيع جميع السجائر الأميركية في أراضي السلطة الوطنية كما أنه يترأس مجموعة فالكون القابضة وهي تكتل شركات وتمتلك شركة فالكون للمقاولات الكهربائية والميكانيكية وهي شركة هندسية تأسست عام 2000 ولها فروع في غزة والضفة الغربية والأردن وقطر والإمارات العربية المتحدة . وتابعت المجلة المعروفة بمصداقيتها تقول: هذا النجاح الذي حقّقه ياسر محمود عباس في عالم الأعمال ما كان ليتمّ لولا مساعدةٍ من العم سام وفقاً لسلسلة تقارير نشرتها وكالة رويترز للأنباء عام 2009 حيث تلقى من هيئة المساعدات الأميركية عام 2005 مبلغ 1.89 مليون دولار لإنشاء نظام مجارير في مدينة الخليل في الضفة الغربية . وتابعت الصحيفة نقلاً عن نبذة كتبها في الإنترنت عن نفسه ان مجموعة فالكون القابضة لها أذرعٌ أخرى إضافية منها شركة خدمات الإتصال العالمية وشركة فالكون للإستثمارات العامة ولقد سبق لياسر أن تفاخر في مقابلة مع مجلة إماراتية , والكلام لا يزال للفورن بوليصي , أن إيراداته السنوية تبلغ ما يقارب ال35 مليون دولار . وتتابع المجلة: هذه ليست كلّ شركات ياسر , فإنه مدرجٌ في لائحة شركة ” رصد مخاطر الإئمتان ” ومقرها في نيويورك بصفته ايضا رئيس شركة المشرق للتأمين والتي لها 11 فرعاً في أراضي السلطة وقيمة هذه الشركة حسب البورصة الفلسطينية هي 3.25 مليون دولار . وأخيرا , تضيف المجلة , فإن ياسر هو المدير العام لشركة ” فيرست أوبشن للإدارة والإنشاء ” والتي يبدو حسب ما جاء في الموقع الإلكتروني للشركة بأنها تقوم بالكثر من المشاريع العامة بعقود مع السلطة الوطنية كالطرق والمدارس ولها فروع في عمان وتونس والقاهرة والجبل الأسود ورام الله ولقد أوردت وكالة رويترز للأنباء ان هذه الشركة ايضاً تلقّت ما يقارب 300000 دولار من المساعدات الأميركية ما بي العامين 2005 و 2008 اي بما يعادل 100000 دولار سنوياً .

Thursday, April 7, 2016

أطفال الحجارة وثوّار الجعارة


في الطريق من كاراج البرامكة إلى مخيّم اليرموك صدح من مذياع التاكسي صوتٌ جهوريٌّ "حربجيٌّ" لمذيعٍ قفز فجأةً وسط سيلٍ من أغاني النضال والمقاومة وصاح مهدّداً:"هنا إذاعة القدس. جاءنا الان ما يلي, تقوم مجموعاتٌ فلسطينيّة بالتقدم نحو حاجز قوّات الإحتلال الإسرائيلي في شارع "كذا" ولقد سبقتها مجموعاتٌ إلى حاجزٍ آخر في شارع "كذا" وتقوم حالياً بمهاجمته". نبرة المذيع الحماسيّة وصوته المتهدّج بصلابة يوحيان بأن المعركة الدائرة هناك حيث مصادره الإخباريّة التي ذكرها هي بحجم معركة العلمين التي دارت بين الجيش البريطاني بقيادة الفيلد مارشال مونتغمري من جهة وبين الجيشين الإيطال والألماني بقيادة رومل "ثعلب الصحراء" من جهةٍ أخرى وليست مجرد صِبية يرشقون الجنود بالحجارة. انتهى البيان وعادت الإغاني الوطنيّة.

إذاعة القدس هذه هي ملكٌ لأحمد جبريل ربيب معمّر القذافي وحافظ الأسد الذي ابتلع مئات الملايين من الدولارات من الأوّل ونفّذ الكثير من الأعمال القتاليّة الداخليّة لصالح الثاني على مدى على مدى أكثر من نصف قرنٍ من النضال "لأجل تحرير الأرض والانسان" كما يقول شعار الجبهة الشعبيّة – القيادة العامّة. تغنّت هذه الإذاعة, كما الكثير من المنصّات الإعلاميّة الفلسطينيّة والعربيّة بأمجاد "أطفال الحجارة" واشبعوهم شعراً ونثراً وما بينَ بينْ حتى أصبح هذا التعبير تابو شعاراتيّاً آخر يضاف إلى حزمة الشعارات البرّاقة المكوّمة في الوعي الجمعي الفلسطينيّ والتي لا يجرؤ فلسطينيّ واحد على طرحها في ميدان البحث, كأن يناقش مثلاً الجانب الإنساني في جرائم القتل اليوميّة التي تطال أطفالاً فلسطينيّين لا يدركون حجم الأخطار التي تترصدهم يوميّاً أثناء تصدّيهم للقوّات الإسرائيليّة المدجّجة بالسلاح فيلعبون بالموت بمرحٍ واستهتار بينما ينشغل أصحاب القرار في قيادة الفصائل الفلسطينيّة المسلّحة بتجييش الإعلام العربيّ والدولي بهدف تحويل مشاهد القتل اليوميّ هذه إلى أوراق ابتزازٍ للقوى السياسيّة المناهضة لهم, ولتضحي صور الأطفال المخضّبين بدمائهم أدوات نضاليّة ووسائلاً لتحسين شروط القادة التفاوضيّة. ما هو مقدار النبالة التي يقتضيها إرسال المال والأوامر لإستغلال مشاعر الوطنيّة والبطولة عند الأطفال والمراهقين وإرسالهم إلى مَقاتلهم بدلاً من إستخدام هذه الأموال لبناء انديّة رياضيّة مثلاً تقوم بتحويل اندفاعاتهم نحو مساراتٍ أخرى تليق بطفولتهم بدلاً من حشوهم بالهراء وقتلهم لمجرّد الانتفاع بجثثهم في البازار السياسيّ والإعلامي.

إن الوحشيّة التي أبدتها الحكومة الإسرائيليّة في التعامل مع هؤلاء الأطفال لا يوازيها سوى الوحشيّة التي أبداها إزاءهم أولئك القادة السياسيّون الفلسطينيّون الذين يرسلون أطفالهم إلى إوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة للدراسة والإستجمام بينما يشقّون بدماء أطفال الفقراء مساراً للسلام. ان تعبير "أطفال الحجارة" الذي يتباهى به الفلسطينيّون ويتفاخرون به هو في حقيقة الأمر وصمة عارٍ على جبين قادتهم أولئك, وانا هنا أعني الجزء المتعلّق باستخدام الأطفال في الإنتفاضة وليس الانتفاضة نفسها التي أسهمت بتشكيل هويّة كيانيّة فلسطينيّة للمرة الأولى خارج نطاق الشعارات الرنّانة. هذه الإنتفاضة ستستمرّ خمسة سنوات من 9/كانون أوّل/1987 وحتّى 13/أيلول/1993 تاريخ توقيع إتفاقية إعلان المبادئ في أوسلو بين م.ت.ف والحكومة الإسرائيليّة وسيسقط ضحيّتها من الجانب الفلسطينيّ على أيدي جنود الإحتلال 1,376 قتيلاً بينهم 281 طفلاً من أطفال الحجارة وسيسهم المستوطنون الإسرائيليّون (المدنيّون) في هذه المقتلة فيسقط على أيديهم 115 قتيلاً بينهم 23 طفلاً. ولم يتساءل أحد من المطبّلين والمزمّرين للزعماء عمّا إذا كان إتفاق أوسلو الهزيل هذا والذي لا زال في طور التطبيق رغم مرور 22 عاماً على توقيعه, يستحقّ كلّ هذا الكمّ من الموت البريء.

Wednesday, April 6, 2016

تحميل كتاب الخديعة


دعونا منكم ومنهم قد والله سئمناكم

حتى الآن ومنذ زمن عبد الناصر سارت الأمور في الوطن العربي على النحو التالي: إسلاميّون يحظون بالتمثيل الشعبي وعسكرٌ يستولون على السلطة ويزجّون بهم في السجون . تفصيلاً, جرى هذا في مصر والسودان وسوريا وليبيا والجزائر واليمن وصولاً حتى دولة السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة الموهومة . كذلك حصل الأمر نفسه في بقيّة المنظومة العربيّة المهترئة إنّما بشكلٍ أقلّ حدّة . إمنحوا الإسلاميّين فرصةً في السلطة فيكرههم الناس كما يكرهونكم ويكتشفونهم على حقيقتهم كما اكتشفوكم ثم نطوي صفحتيكما ونبحث ويبحثون عن طريقٍ ثالث قد يخرجنا من كهوف العتمة والتخلّف .

06/04/2016

Tuesday, April 5, 2016

سعادة السفير كبير الحمير



العقيد خالد عارف أمين سرّ منطقة صيدا القادم إلى العمل التنظيميّ والسياسيّ من باب الأجهزة الأمنيّة التي خدم فيها لم يخلع أبداً هواجسه الأمنيّة التي اعتاد عليها. كلّ من يعمل لديه أو يتّصل إليه يجب ان يكون عيناً له على بقيّة زملائه وصحبه من العناصر والكوادر والضبّاط. عامل الشاي في المقرّ, حراسه الشخصيّين, ضابط تسليحه, ضابط إدارته, ضابط ماليّته, أعضاء هيئة العمل الشعبي, سائقه, حارس باب مكتبه, ضبّاط ملاك المقرّ كلّ من يمتّ بصلةٍ له هو جاسوسٌ له. أدق وصفٍ لهذا المناضل الذي لا يشقّ له غبار هو ما جاء في النكتة التي ألقاها على مسامعي ضابط ماليّته مروان ناصر, قال: زعموا ان خالد عارف تلقّى طرداً بريديّاً وعندما فتحه اكتشف انه مليء ببودرة بيضاء اللون, فسارع عبد معروف (ضابط إدارته) إلى تحذيره من ان هذه المادّة قد تكون "الجمرة الخبيثة" ورجاه ان يسمح له بتذوقها قبله حرصاً على سلامته فنظر إليه خالد عارف نظرةً هازئةً وأجابه:"انا من علّم الجمرة الخبيثة مهارة  الخباثة".
يعكف خالد عارف منذ سنواتٍ على مهمّة واحدةٍ كرّس لها نفسه بتفان عظيم وإتقان محكم وهذه المهمّة هي تسويق نفسه إعلاميّاً. هذا الهاجس الدائم الذي يشغله ويدفعه إلى الظهور على سطح الإعلام لا ينبع فقط من نرجسيّته بل من إدراكه الفطريّ وأيضاً المكتسب لجوانب اللعبة السياسيّة التي خبرها أثناء عمله لدى القادة الأمنيّين – السياسيّين أمثال أبو إياد وأبو الهول. فإن الظهور الإعلامي غالباً ما يترجم إلى نفوذٍ سياسيّ وجاهٍ إجتماعيّ وما يلبث ان يخلق قاعدةً جماهيريّة ستلفت بالعادة انظار القيادة "الحكيمة" فتسارع إلى تقريبه مع قاعدته إليها وتمهّد له الوصول إلى مناصب أعلى بشرط ان يعلن وفاءه وإخلاصه لها. هذه القاعدة الجماهيريّة التي يحلم عارف بتشكيلها وإستثمارها لها على الأرجح الدور الأبرز في دوائر العسس الذي يحترف تشكيلها بحيث لا يعود أحد من العناصر والكوادر التابعة لمنطقة صيدا التنظيميّة يجرؤ على انتقاده أو التعرّض إلى مواقفه وأساليب عمله بل يصبح الكلّ من مدّاحيه خشيةً على ما يتلقّونه من فتات موائده.
من الطريف ان الذين يؤبّنون الشهداء ويرثونهم ثم يعاهدونهم على إكمال المسيرة غالباً ما يعمّرون طويلا, وخالد عارف محترفٌ للخطابة الخشبيّة من كلّ الانواع وفي كلّ الظروف. خطابةٌ من النوع الذي لا يصغي إليها أحد بل يكتفي المحتشدون في مهرجاناته الخطابيّة بالتصفيق عند كلّ ذكرٍ لتعبير "القائد الرمز ياسر عرفات" فليس الخرفان وحدها هي التي تتشابه بل كذلك الخطّابون. لا يكاد يمرّ أسبوعٌ واحد دون مهرجان خطابيٍّ أو مسيرةٍ تضامنيّةٍ أو وقفةٍ إحتجاجيّة لعارف وجماهيره في مخيّم عين الحلوة. يوم الشهيد, يوم الأرض, يوم القدس, يوم الشهيد الفلاني, يوم الشهيد العلّاني , أيام الإحتجاجات على تقليص خدمات وكالة الأونروا "لجماهير شعبنا الفلسطينيّ البطل", يوم التضامن مع العراق, يوم التضامن مع لبنان, يوم التضامن مع فيديل كاسترو, يوم الدفاع عن القرار الفلسطينيّ المستقلّ, وكلّ ما يمكن إختراعه من أيام.
يبدأ الحفل بتجميع جميع المدرجين على قوائم الرواتب في منطقة صيدا ومخيّماتها وهم بالمئات, عند مدخل المخيّم أمام مكتب شعبة عين الحلوة التابعة تاريخيّاً لماهر شبايطة التابع تاريخيّاً بدوره لخالد عارف. يضاف إليهم عند الإمكان بعض المجموعات من الفصائل المواليّة لحركة فتح مثل الحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ وجبهة التحرير الفلسطينيّة وحزب "فدا" الوليد الذي أسسّه ياسر عبد ربّه ومعهم راياتهم التنظيميّة خافقةً فوق رؤوسهم. وكذلك تضاف البهارات الضروريّة المتمثّلة بطوابير الأشبال الذين يتشكّلون أبناء الكوادر الفتحاويّة مضافٌ إليهم 35 ألف ليرة لكلٍّ منهم شهريّا ورغم ان أبناء وبنات خالد عارف وكذلك أبناء وبنات ضابط ماليّته وضابط إدارته هم من هؤلاء الأشبال ويتلقّون نفس الراتب إلّا انهم لم يحضروا يوماً هذه المسيرات أو الإحتجاجات بسبب خطورتها. إذ ان الحالة الأمنيّة في المخيّم وتعدد الفصائل المسلحة المتناحرة فيه تجعل من هكذا تجمّعاتٍ سياسيّة هدفاً شبه دائم للخصوم السياسيّين خصوصا منهم الأصوليّون ودائما ما تحدث خلالها إشتباكاتٌ أو تفجيراتٍ أو تهديدات. بل ان الدور الرئيس لطوابير الأشبال التي ترافق المسيرات "العارفيّة" في اختراق مخيّم عين الحلوة عبر الشارع الفوقاني ثم العودة من الشارع التحتاني والتوقف أمام مكتب الشعبة من جديد لإلقاء الخطب البتراء هو الإحتماء بهم والتمترس وراءهم.
في فترة تجميع "الجماهير" وبانتظار ان يطلّ عليها خالد عارف وأورطته ليتصدّروا  المسيرة وأمامهم  حرّاسهم الشخصيّين المدجّجين بالسلاح يقوم إبراهيم الشايب المسؤول الإعلامي لخالد عارف بالتوصيلات الكهربائية اللازمة فتصدح المايكروفانات بالإغاني الثورية القادمة من زمن السبعينات مثل "غلّابة يا فتح" و"انا صامد صامد" وتخالطها أحياناً بعض الإغاني الحديثة التي تمتدح القائد الرمز وكوفيّته. وفي نفس الوقت وقبل ظهور القادة ببضعة دقائق يتسلّل بين الجماهير عبد معروف ضابط أدارة منطقة صيدا حامل كشوفاً بأسماء المنضوين فيها ويضع علامات أمام أسماء الغائبين. في النهاية يطل خالد عارف ومعه رهطٌ من الكوادر العليا ثم تدور المسيرة دورتها المعتادة داخل شارعيّ عين الحلوة بينما "الصحفي" عصام الحلبي "يطقّ" الصور ليرسلها مع الخبر إلى مدير المجلّة التي تصدرها حركة فتح في لبنان وعصامٌ هذا يعرف تماماً ان خالد عارف سيغضب عليه إذا خلت الصور المنشورة في المجلّة من شخصه الكريم. يحدث أحياناً ان ينفرط عقد المسيرة قبل  عودتها إلى مكان انطلاقها بسبب إشتباكٍ مسلّحٍ أو إطلاق نار ويحدث أحياناً عند العودة ان يتمّ رمي المتفجرات أو العبوات المزروعة سرّاً فيتدافع المتدافعون وسط دعوات عارف عبر الميكروفانات للجماهير بالصمود وإكمال الإستماع إلى خطابه.
الخطب البتراء هذه تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ صحف النظام السوريّ "الثورة" و"تشرين" و"البعث" التي لا يتغيّر فيها شيءٌ من يومٍ إلى يوم سوى تاريخها وكلّماتها المتقاطعة. وأجزم ان عبد معروف الذي يكتبها له لا يقوم بشيء سوى تغيير بعض التعابير حسب نوعيّة المناسبة الوطنيّة التي ستلقى بها إذ لا يجوز مثلاً ان تركّز على يوم الأرض في خطابك الذي تحتجّ به على ممارسات وكالة الأونروا المجحفة بحق الشعب الفلسطيني والعكس صحيح. عادة ما تبدأ خطاباته بنداء الجماهير والإخوة والأخوات ثم حشوٌ كثيرٌ من شعاراتٍ ممجوجة وركيكة عن الإدارة الأميركيّة والجمهوريّين الجدد وعن الدفاع عن المقدسات وحقّ تقرير المصير, و"نحن ضيوفٌ على الأراضي اللبناني" (رغم ان 98% من فلسطينيّي لبنان ولدوا في لبنان) و"التأكيد على حقّ العودة" و"لن نسمح لأيٍ كان بالعبث بأمن المخيّم" (رغم انه أوّل العابثين) . وفي النهاية تأتي "الكليشيهات" الختاميّة المعهودة عن "العهد هو العهد, ووالقسم هو القسم" والتحيّة إلى القائد الرمز ثم "واننا لعائدون".
كل هذا الصخب شبه الإسبوعيّ يهدف إلى تحقيق نتيجةٍ واحدةٍ هي جملةً في الصفحة الرابعة أو الخامسة من الصحف اللبنانيّة فحواها ان مسيرةً ما قد جرت في عين الحلوة و"قد ألقى العقيد خالد عارف في ختامها خطبةً في الجماهير المشاركة أكّد فيها على الثوابت الوطنيّة ".

غسان أبو العلا
صفحة من كتابي " الخديعة "
-          ملاحظة : سعادة اللواء خالد عارف هو حاليّاً سفير فلسطين في مملكة البحرين